محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
449
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والإنجيل ، وذكر حال موسى صاحب التنزيل وعيسى صاحب التأويل ، وأنّ بني إسرائيل كيف خالفوا النبيّين فريقا كذّبوا وفريقا يقتلون . التفسير واللغة قال أهل التفسير : آتينا بمعنى أعطينا الكتاب يعنى التوراة جملة واحدة . وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أردفنا . يقال : قفوت الرجل أقفوه إذا اتّبعته ؛ وقفّيت فلانا بفلان أي بعثته في قفاه . وقوله : مِنْ بَعْدِهِ ، أي بعد موسى بالرسل مثل يوشع بن نون وداود وسليمان وأنبياء بني إسرائيل ، وكانوا على منهاج واحد وشريعة واحدة متعبّدين بما في التوراة من الأحكام . وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أعطيناه الحجج الواضحات . قال ابن عبّاس : يريد إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والنفخ في هيئة الطير من الطين ، فيكون طيرا بإذن اللّه . وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي قوّيناه وأعنّاه ؛ والأيد القوّة ؛ وروح القدس هو جبريل - صلوات اللّه عليه - على قول ابن عبّاس في رواية عطاء وعكرمة والضحّاك وقول قتادة والحسن والربيع والسدّي ومقاتل والكلبي ، ودليله : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ وهو بالاتّفاق جبريل - عليه السلام - سمّي الروح لعلوّ درجته وصفاء جوهره ، وكذلك الملائكة روحانيون من الروح ؛ وإنّما خصّه بالذكر وسمّاه الروح تشريفا له ؛ وقيل : سمّي بذلك لأنّه سبب حياة القلوب وروحها ؛ فإنّه يأتي من اللّه تعالى بالقرآن والبرهان ؛ فيهتدي به المؤمنون وتحيا قلوبهم . والقدس والقدس لغتان « 1 » خفّف ابن كثير وثقّله الباقون ، ومعناهما واحد . فقيل : هو اسم اللّه بمعنى القدّوس ، وهو قول ابن زيد والحسن وكعب والربيع ؛ وقال السدّي : القدس البركة ؛ وقيل : القدس الطهارة بمعنى المقدّس ؛ فأضاف الاسم إلى الصفة يريد به الروح الطاهر المقدّس المبارك الطيّب ؛ وفي تأييد عيسى بجبريل - عليهما السلام - وجهان :
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة والقراءة .